محمد بن جرير الطبري

9

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

على شيء ، ووجدهم قد ضموا السفن ، فأقاموا ببهرسير أياما من صفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين ، حتى أتاه اعلاج فدلوه على مخاضه تخاض إلى صلب الوادي ، فأبى وتردد عن ذلك ، وفجئهم المد ، فرأى رؤيا ، ان خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المد بأمر عظيم ، فعزم لتأويل رؤياه على العبور ، وفي سنه جود صيفها متتابع فجمع سعد الناس ، فحمد الله واثنى عليه ، وقال : ان عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر ، فلا تخلصون اليه معه ، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا ، فيناوشونكم في سفنهم ، وليس وراءكم شيء تخافون ان تؤتوا منه ، فقد كفاكموهم أهل الأيام ، وعطلوا ثغورهم ، وأفنوا ذادتهم ، وقد رايت من الرأي ان تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل ان تحصركم الدنيا الا انى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعا : عزم الله لنا ولك على الرشد ، فافعل . فندب سعد الناس إلى العبور ، ويقول : من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو الباس ، وانتدب بعده ستمائه من أهل النجدات ، فاستعمل عليهم عاصما ، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة ، وقال : من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا ؟ فانتدب له ستون ، منهم أصم بنى ولاد وشرحبيل ، في أمثالهم ، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكوره ، ليكون أساسا لعوم الخيل ثم اقتحموا دجلة ، واقتحم بقية الستمائة على أثرهم ، فكان أول من فصل من الستين أصم التيم ، والكلج ، وأبو مفزر ، وشرحبيل ، وجحل العجلي ، ومالك بن كعب الهمداني ، وغلام من بنى الحارث بن كعب ، فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت سعدا مثلها ، فاقتحموا عليهم دجلة ، فاعاموها إليهم ، فلقوا عاصما في السرعان ، وقد دنا من الفراض ، فقال عاصم : الرماح الرماح ! اشرعوها وتوخوا العيون ، فالتقوا فاطعنوا ، وتوخى المسلمون عيونهم ، فولوا نحو الجد ، والمسلمون يشمصون بهم خيلهم ، ما يملك رجالها منع